" ياروح …. مابعدك روح !!!"

” الفيل ياملك الزمان ” مسرحية كتبها المؤلف المسرحي السوري ” سعد الله ونوس ” منذ قرابه اربعين عاما تحكي عن جماعه من الناس تعيش في ظل حكم ملك يجلس علي كرسي عرشه بعيدا عن شعبه لايعرف عن مشاكلهم شيئا محاط بحاشية من المنافقين المنتفعين الذين يزينون له رغباته ويظهرون له كذبا وزورا ان شعبه يحبه ويدعو له بطول العمر وطول الحكم !!! واوضح ” ونوس ” في فصول مسرحيته كيف يعيش الناس تحت حكم ذلك الملك مقهورين بؤساء يعانون الامرين في حياتهم اليومية الشاقة عكسه هو الذي يعيش رغدا ورفاهية علي حساب حرمانهم من ابسط حقوقهم الانسانية .. وبين “ونوس” في عبارات حواره كيف يفكر ذلك الملك وكيف يري الامور من حوله وكيف يتصور ان انفراده بكل خيرات ذلك الشعب امرا طبيعيا فهي ميراثه الشخصي وكيف يري افراد شعبه وكأنهم خلقوا خصيصا لخدمته ورعايته والانصياع له والخضوع لاوامره الملكية !!! وبين “ونوس ” ببراعة وموهبه وبصيرة في صفحات مسرحيته وفصولها التناقض الجم بين ضفتي النهر تلك التي يقطنها الملك والاخري التي يعيش فيها الرعية المحكومين فرسم لنا بريشه قلمه الذكي مظاهر الرفاهية التي يعيش فيها الملك في قصره المنيف وحدائقه الغناء فرأينا الرخام المرمري تحت قدميه وشاهدنا العرش الذهبي الذي يضم جسد الملك بين احضانه الحانيه يجلس عليه غافيا من الراحه والسعاده وسمعنا صوت حفيف الحرير الذي يلف بدنه باثوابه الفياضه وشممنا رائحه المسك والعنبر والبخور الجميل التي تعطر بلاطه … ثم انتقل بنا ” ونوس ” للضفة الاخري مسلطا ضوئه علي حياه المحكومين واستعرض نماذجهم فرأينا من بينهم الخانع والخاضع المتمرد الغاضب الخائف الثائر ثم استعرض حياتهم فرأينا بؤسهم وشاهدنا انياب الفقر تنهش في اكبادهم وسمعنا صوت نحيبهم يشكون لله الرحيم مظالم الملك “المفتري” الذي انفرد بخيراتهم وحرمهم منها و”مص” دمهم واكل خبزهم وملحهم وتجاهل شكواهم وعذاباتهم ودموع قهرهم وفرض عليهم الضرائب والمكوس واطلق خلفهم رجاله وبصاصيه وعيونه ومخبريه ترصد انفاسهم وتقيس غضبهم وتلاحقهم وتطاردهم وتمنع النوم عن اعينهم المتعبة!!
ولم يكتفي ” ونوس ” بذلك الاستعراض لحال الملك وحال الرعية بل تصاعد بازمة مسرحيته وافهم قاريءه ومشاهد مسرحيته علي المسرح ان ذلك الملك المستبد لم يكتف بكل ما اقترفته ايديه وايدي حاشيته ورجاله المرعبين بل صعب الحياة اكثر واكثر علي محكوميه حين اطلق ” فيله ” المدلل بين الرعية ناشرا الرعب في ازقتهم وحارتهم الضيقة يدوس بجسده الضخم علي رقاب اطفالهم ويخنق باقدامه الثقيله مزروعاتهم ويهدم ب”زلومته ” الباطشة جدران منازلهم واسقف محلات تجارتهم واوضح ” ونوس ” ان الرعية في البداية تجاهلت الفيل وكأنها لاتراه ولم تسمع عن جرائمه ثم تحملت كوارثه وتعايشت مع نتائجها الخطيرة حتي ضاق بهم الحال وقطع الغضب الجارف من ” الفيل ” وتصرفاته الهوجاء الحمقاء حبال صبرهم فقرروا بعد معاناة شديده وعذاب مرير وبعد صراع مع رعبهم الدفين وبعد تغلب علي مخاوفهم الراسخه داخل قلوبهم ونفوسهم المرتعده ، قرروا ان يشكلوا وفدا من بينهم يقدم للملك شخصيا وبين ايديه مظالمهم من ” الفيل ” الذي احال حياتهم جحيما وزود عذاباتهم وصعب عليهم حياتهم الصعبة اكثر واكثر !!! واستعرض ” ونوس ” علي ألسنه ابطاله من الرعية الغاضبه العبارات التي سيقولوها في حضرة الملك ” الفيل ياملك الزمان قتل اطفالنا ” ، ” الفيل ياملك الزمان هدم بيوتنا ” ، “الفيل ياملك الزمان داس علي رقاب شيوخنا واخاف نساءنا ” وفي النهايه ” ابعده عنه ديارنا وطريق اطفالنا ” ، ” احمنا من الفيل ياملك الزمان ” !! وهكذا اختتم ” ونوس ” الفصل الثاني من مسرحيته بعد ان اعد قراءه ومشاهديه للحظة المواجهة القاسية تلك التي يفيض فيها بالمظلومين الكيل وينتفضوا دفاعا عن حياتهم وحياة اطفالهم واجلسنا ” ونوس ” في مقاعدنا علي رؤوسنا الطير ننتظر مالذي ستسفر عنه تلك المواجهة بين ملك ظالم مستبد ورعية مظلومة مقهورة احال ” فيل ” الملك حياتهم لعذاب مؤلم لاينتهي .. لكن الكاتب المسرحي البارع ” سعد الله ونوس ” الذي شخص واقعنا العربي ببراعة وقرأ تفاصيله بدقة ودرس نفسيه شعوبه وطرق تفكيرهم واساليب تفاعلهم من الحياة ومشاكلها وبعد ان اعد خشبه مسرحه للمواجهة الشامله بين الحاكم والمحكومين وبعد ان اوهمنا بأن انتفاضه المحكومين قد بدأت وان صمتهم واستكانتهم وخنوعهم قد انتهي وان غضبهم قد انفجر سيغير حياتهم للافضل والاحسن وانهم من الشجاعة والقوة بحيث سيقفون امام ” ملك الزمان ” يشكون له ” فيله ” وجرائمه المستمرة في حقهم ، بعد كل هذا افتتح ” ونوس ” فصله الثالث والرعية يقفون في اسمالهم وملابسهم الرثه امام ملك الزمان المدجج بلاطه باسلحه حراسه ورجاله الاشداء محاطا بوزراءه وحاشيته ينطلق الشرر من اعينه ينظر للرعية بضيق لايصدق انهم هؤلاء الحثاله اقتحموا بلاطه ووقفوا فوق مرمره اللامع وان رائحه عرقهم وتوترهم قد اختلطت والهواء الذي يتنفسه ، افتتح “ونوس” مشهده والرعية تقف في حضرة الملك وامام عرشه الذهبي تصطنع شجاعة وتدعي ثباتا وتظهر قوة يفضحها انتفاضات اجسادهم النحيلة رعبا وهم امام ذلك الملك الذي احال بايديه الخضراء حياتهم لعذاب مستمر وفي ذات القاعة يقفون بجوار رجال البطش الذي تركوا علامات غضبهم علي اجسادهم النحيلة خطوطا زرقاء وحمراء وارجوانية من اثر الكرابيج التي لايتركوا من ايديهم ولاينزلوها من فوق اجساد الرعية فاذ بالرعية يتلعثمون وتضيع من بين شفاهم العبارات المعدة والجمل التي تم التدريب عليها فلا يبقي لهم الا كلمه ” الفيل ياملك الزمان ” ثم صمت وخوف ” الفيل ياملك الزمان ” ثم عرق وتوتر ” الفيل ياملك الزمان ” ثم جمود ورعب !!! وتعمد ” ونوس ” ان يعيش القاريء والمشاهد في حاله التوتر التي تشعر بها الرعية وكأنهم يقول لنا انتم من بين هؤلاء الناس تعيشون حياتهم البائسة وتعانون من الرعب الذي يضج مضاجعهم وتخافون هذا الملك وكل ملك مثلهم بالضبط ، تعمد ” ونوس ” ان يخيف القاريء والمشاهد من العين الحمراء لملك الزمان الذي كشر عن انيابه في وجه الرعية ووجهنا يخيفنا يحشر الكلمات في حلوقنا وهو يصرخ في رعيته ضائقا بزيارتهم غاضبا من تجرأه علي بلاطه ” ماله الفيل ” ؟؟!!! ويهزمنا “ونوس” بالضربة القاضية ويسجل انكساراتنا بنصل قلمه الجارح حين يضع علي لسان احد الرعية الذي تملكه الرعب من الوقوف امام الملك لآيرغب الا في الفرار من بلاطه المخيف عبارات تفصح عن حب الرعية للفيل وتقدير الرعية للفيل ورغبة الرعية في الحفاظ علي الفيل ” وحفظه الله لنا ياملك الزمان !!!!!!” …
وهكذا انهي “ونوس ” مسرحيته بوضع المرأة في وجوهنا وارانا ضعفنا وعجزنا واسمعنا نحيبا مكتوما “يعدد” بمرثيات غاضبه تنعي رعيته المرتعده التي شحذ قوتها واطلق عزيمتها وتجاهل خوفها ورعبها ودفعها دفعا في طريق التمرد والغضب و” ياروح مابعدك روح ” ثم هزمها بقوه وعنف ونحن معها مؤكدا ان الجبن قد تملك الرعية من كثره مالاقت وعانت وان الخوف قد امتلك قلوبهم وعقولهم وان الصمت الذي اقتاتت به سنوات وعقود اخرس ألسنتها وان الظلم الذي عاشت تحت حكمه قد تمكن منها وحولها لكائنات ضعيفه مقهورة لاتملك من امر نفسها شيئا واوضح لنا ” ونوس ” ان خوف الرعية التي عرض صورتها وكل رعية لم يتحدث عنها هو من اهم المسببات لاستبداد الملك وبطش الملك وجبروت الملك فكأنه يذكرنا بالمثل الشعبي ” قالوا يافرعون مين فرعنك قال مالقيتش حد يردني !! ” بل واغلق “ونوس” امامنا باب الشكوي وابواب الرحمة والامل الكاذب وقال لنا ان الطريق لرفع المظالم لايبدأ بالشكوي من الجلاد للجلاد وان السبيل لانهاء الظلم ليس التضرع للظالم برفع ظلمه عن المظلومين ، وان الدموع التي اسالتها ضربات الباطشين علي وجنات اطفالنا لن تمحوها ايديهم الغليظة وان الغضب من الفيل الظالم والرغبة في الخلاص من بطشه وجبروته لايكون بالشكوي لصاحب الفيل والتضرع بين ايديه والبكاء علي قدميه و ” احمنا من الفيل ياملك الزمان ” !!!!!
كنت قرأت تلك المسرحية وانا في بدايه سنوات الشباب وانهيتها غاضبه من سعد الله ونوس ذلك الكاتب المتشائم من وجه نظري وقتها الذي لا يري الشعب العظيم علي حقيقته وبعد ان مرت عقود واشتعل الشيب في الرأس وادمت الطعنات الغادره قلبي وبعد ان ترك الزمن الجبار اثاره علي نفسيتي يأسا وحزنا علي حالنا وحياتنا ومصيرنا ومستقبلنا اعترف انني مدينه باعتذار للكاتب الكبير عن غضبي الاهوج من مسرحيته العظيمة واعترف له هامسة ان الفيل وغيره من الحيوانات المتوحشة الكاسرة قد انطلقوا في حياتنا يدمروها ومازلنا نشكو همومنا ومظالمنا للرب ونبكي في الليل سرا وندعو القدير ان يغير الاحوال فأن وقفنا في حضره الملك طلبنا منه نفاقا ورعبا ” حفظه الله لنا ياملك الزمان !!!!!!”
الفقرة الاخيرة – شخص المثقفين العرب علي اختلاف جنسياتهم واعمالهم وعطائهم منذ عقود طويله مشاكل شعوبنا ومنحوها حلولا لانهاء تلك المشاكل والتخلص من اثارها المدمرة ، لكن شعوبنا تعيش في امية مطلقة فلا تقرأ ولاتهتم بما يكتب ولاتفهم ما تقرأه فضاع جهد المثقفين هباء كالحرث في المياة لم يثمر !!!
الجمله الاخيرة – ارجوكم … كفانا سخريه من حالنا فتلك السخرية المريرة الموجعة كاشواك الصبار نغرزها في قلوبنا لن تغير من واقعنا ولن تمنحنا السعاده التي نحلم بها ونستحقها ،ياليتنا نوجه جهدا لاشياء اكثر نفعا !! رجاء اوجه للمبدعين الشعبيين بمناسبه النكته القاسيه التي سمعتها والتي اسماها الشعب نكته ” كوبري 6 اكتوبر” !!!!

Advertisements
نُشِرت في فنون وابداعات, الكتاب الثاني - طبعا ذنب الحكومة | أضف تعليق

" ياروح …. مابعدك روح !!!"

” الفيل ياملك الزمان ” مسرحية كتبها المؤلف المسرحي السوري ” سعد الله ونوس ” منذ قرابه اربعين عاما تحكي عن جماعه من الناس تعيش في ظل حكم ملك يجلس علي كرسي عرشه بعيدا عن شعبه لايعرف عن مشاكلهم شيئا محاط بحاشية من المنافقين المنتفعين الذين يزينون له رغباته ويظهرون له كذبا وزورا ان شعبه يحبه ويدعو له بطول العمر وطول الحكم !!! واوضح ” ونوس ” في فصول مسرحيته كيف يعيش الناس تحت حكم ذلك الملك مقهورين بؤساء يعانون الامرين في حياتهم اليومية الشاقة عكسه هو الذي يعيش رغدا ورفاهية علي حساب حرمانهم من ابسط حقوقهم الانسانية .. وبين “ونوس” في عبارات حواره كيف يفكر ذلك الملك وكيف يري الامور من حوله وكيف يتصور ان انفراده بكل خيرات ذلك الشعب امرا طبيعيا فهي ميراثه الشخصي وكيف يري افراد شعبه وكأنهم خلقوا خصيصا لخدمته ورعايته والانصياع له والخضوع لاوامره الملكية !!! وبين “ونوس ” ببراعة وموهبه وبصيرة في صفحات مسرحيته وفصولها التناقض الجم بين ضفتي النهر تلك التي يقطنها الملك والاخري التي يعيش فيها الرعية المحكومين فرسم لنا بريشه قلمه الذكي مظاهر الرفاهية التي يعيش فيها الملك في قصره المنيف وحدائقه الغناء فرأينا الرخام المرمري تحت قدميه وشاهدنا العرش الذهبي الذي يضم جسد الملك بين احضانه الحانيه يجلس عليه غافيا من الراحه والسعاده وسمعنا صوت حفيف الحرير الذي يلف بدنه باثوابه الفياضه وشممنا رائحه المسك والعنبر والبخور الجميل التي تعطر بلاطه … ثم انتقل بنا ” ونوس ” للضفة الاخري مسلطا ضوئه علي حياه المحكومين واستعرض نماذجهم فرأينا من بينهم الخانع والخاضع المتمرد الغاضب الخائف الثائر ثم استعرض حياتهم فرأينا بؤسهم وشاهدنا انياب الفقر تنهش في اكبادهم وسمعنا صوت نحيبهم يشكون لله الرحيم مظالم الملك “المفتري” الذي انفرد بخيراتهم وحرمهم منها و”مص” دمهم واكل خبزهم وملحهم وتجاهل شكواهم وعذاباتهم ودموع قهرهم وفرض عليهم الضرائب والمكوس واطلق خلفهم رجاله وبصاصيه وعيونه ومخبريه ترصد انفاسهم وتقيس غضبهم وتلاحقهم وتطاردهم وتمنع النوم عن اعينهم المتعبة!!
ولم يكتفي ” ونوس ” بذلك الاستعراض لحال الملك وحال الرعية بل تصاعد بازمة مسرحيته وافهم قاريءه ومشاهد مسرحيته علي المسرح ان ذلك الملك المستبد لم يكتف بكل ما اقترفته ايديه وايدي حاشيته ورجاله المرعبين بل صعب الحياة اكثر واكثر علي محكوميه حين اطلق ” فيله ” المدلل بين الرعية ناشرا الرعب في ازقتهم وحارتهم الضيقة يدوس بجسده الضخم علي رقاب اطفالهم ويخنق باقدامه الثقيله مزروعاتهم ويهدم ب”زلومته ” الباطشة جدران منازلهم واسقف محلات تجارتهم واوضح ” ونوس ” ان الرعية في البداية تجاهلت الفيل وكأنها لاتراه ولم تسمع عن جرائمه ثم تحملت كوارثه وتعايشت مع نتائجها الخطيرة حتي ضاق بهم الحال وقطع الغضب الجارف من ” الفيل ” وتصرفاته الهوجاء الحمقاء حبال صبرهم فقرروا بعد معاناة شديده وعذاب مرير وبعد صراع مع رعبهم الدفين وبعد تغلب علي مخاوفهم الراسخه داخل قلوبهم ونفوسهم المرتعده ، قرروا ان يشكلوا وفدا من بينهم يقدم للملك شخصيا وبين ايديه مظالمهم من ” الفيل ” الذي احال حياتهم جحيما وزود عذاباتهم وصعب عليهم حياتهم الصعبة اكثر واكثر !!! واستعرض ” ونوس ” علي ألسنه ابطاله من الرعية الغاضبه العبارات التي سيقولوها في حضرة الملك ” الفيل ياملك الزمان قتل اطفالنا ” ، ” الفيل ياملك الزمان هدم بيوتنا ” ، “الفيل ياملك الزمان داس علي رقاب شيوخنا واخاف نساءنا ” وفي النهايه ” ابعده عنه ديارنا وطريق اطفالنا ” ، ” احمنا من الفيل ياملك الزمان ” !! وهكذا اختتم ” ونوس ” الفصل الثاني من مسرحيته بعد ان اعد قراءه ومشاهديه للحظة المواجهة القاسية تلك التي يفيض فيها بالمظلومين الكيل وينتفضوا دفاعا عن حياتهم وحياة اطفالهم واجلسنا ” ونوس ” في مقاعدنا علي رؤوسنا الطير ننتظر مالذي ستسفر عنه تلك المواجهة بين ملك ظالم مستبد ورعية مظلومة مقهورة احال ” فيل ” الملك حياتهم لعذاب مؤلم لاينتهي .. لكن الكاتب المسرحي البارع ” سعد الله ونوس ” الذي شخص واقعنا العربي ببراعة وقرأ تفاصيله بدقة ودرس نفسيه شعوبه وطرق تفكيرهم واساليب تفاعلهم من الحياة ومشاكلها وبعد ان اعد خشبه مسرحه للمواجهة الشامله بين الحاكم والمحكومين وبعد ان اوهمنا بأن انتفاضه المحكومين قد بدأت وان صمتهم واستكانتهم وخنوعهم قد انتهي وان غضبهم قد انفجر سيغير حياتهم للافضل والاحسن وانهم من الشجاعة والقوة بحيث سيقفون امام ” ملك الزمان ” يشكون له ” فيله ” وجرائمه المستمرة في حقهم ، بعد كل هذا افتتح ” ونوس ” فصله الثالث والرعية يقفون في اسمالهم وملابسهم الرثه امام ملك الزمان المدجج بلاطه باسلحه حراسه ورجاله الاشداء محاطا بوزراءه وحاشيته ينطلق الشرر من اعينه ينظر للرعية بضيق لايصدق انهم هؤلاء الحثاله اقتحموا بلاطه ووقفوا فوق مرمره اللامع وان رائحه عرقهم وتوترهم قد اختلطت والهواء الذي يتنفسه ، افتتح “ونوس” مشهده والرعية تقف في حضرة الملك وامام عرشه الذهبي تصطنع شجاعة وتدعي ثباتا وتظهر قوة يفضحها انتفاضات اجسادهم النحيلة رعبا وهم امام ذلك الملك الذي احال بايديه الخضراء حياتهم لعذاب مستمر وفي ذات القاعة يقفون بجوار رجال البطش الذي تركوا علامات غضبهم علي اجسادهم النحيلة خطوطا زرقاء وحمراء وارجوانية من اثر الكرابيج التي لايتركوا من ايديهم ولاينزلوها من فوق اجساد الرعية فاذ بالرعية يتلعثمون وتضيع من بين شفاهم العبارات المعدة والجمل التي تم التدريب عليها فلا يبقي لهم الا كلمه ” الفيل ياملك الزمان ” ثم صمت وخوف ” الفيل ياملك الزمان ” ثم عرق وتوتر ” الفيل ياملك الزمان ” ثم جمود ورعب !!! وتعمد ” ونوس ” ان يعيش القاريء والمشاهد في حاله التوتر التي تشعر بها الرعية وكأنهم يقول لنا انتم من بين هؤلاء الناس تعيشون حياتهم البائسة وتعانون من الرعب الذي يضج مضاجعهم وتخافون هذا الملك وكل ملك مثلهم بالضبط ، تعمد ” ونوس ” ان يخيف القاريء والمشاهد من العين الحمراء لملك الزمان الذي كشر عن انيابه في وجه الرعية ووجهنا يخيفنا يحشر الكلمات في حلوقنا وهو يصرخ في رعيته ضائقا بزيارتهم غاضبا من تجرأه علي بلاطه ” ماله الفيل ” ؟؟!!! ويهزمنا “ونوس” بالضربة القاضية ويسجل انكساراتنا بنصل قلمه الجارح حين يضع علي لسان احد الرعية الذي تملكه الرعب من الوقوف امام الملك لآيرغب الا في الفرار من بلاطه المخيف عبارات تفصح عن حب الرعية للفيل وتقدير الرعية للفيل ورغبة الرعية في الحفاظ علي الفيل ” وحفظه الله لنا ياملك الزمان !!!!!!” …
وهكذا انهي “ونوس ” مسرحيته بوضع المرأة في وجوهنا وارانا ضعفنا وعجزنا واسمعنا نحيبا مكتوما “يعدد” بمرثيات غاضبه تنعي رعيته المرتعده التي شحذ قوتها واطلق عزيمتها وتجاهل خوفها ورعبها ودفعها دفعا في طريق التمرد والغضب و” ياروح مابعدك روح ” ثم هزمها بقوه وعنف ونحن معها مؤكدا ان الجبن قد تملك الرعية من كثره مالاقت وعانت وان الخوف قد امتلك قلوبهم وعقولهم وان الصمت الذي اقتاتت به سنوات وعقود اخرس ألسنتها وان الظلم الذي عاشت تحت حكمه قد تمكن منها وحولها لكائنات ضعيفه مقهورة لاتملك من امر نفسها شيئا واوضح لنا ” ونوس ” ان خوف الرعية التي عرض صورتها وكل رعية لم يتحدث عنها هو من اهم المسببات لاستبداد الملك وبطش الملك وجبروت الملك فكأنه يذكرنا بالمثل الشعبي ” قالوا يافرعون مين فرعنك قال مالقيتش حد يردني !! ” بل واغلق “ونوس” امامنا باب الشكوي وابواب الرحمة والامل الكاذب وقال لنا ان الطريق لرفع المظالم لايبدأ بالشكوي من الجلاد للجلاد وان السبيل لانهاء الظلم ليس التضرع للظالم برفع ظلمه عن المظلومين ، وان الدموع التي اسالتها ضربات الباطشين علي وجنات اطفالنا لن تمحوها ايديهم الغليظة وان الغضب من الفيل الظالم والرغبة في الخلاص من بطشه وجبروته لايكون بالشكوي لصاحب الفيل والتضرع بين ايديه والبكاء علي قدميه و ” احمنا من الفيل ياملك الزمان ” !!!!!
كنت قرأت تلك المسرحية وانا في بدايه سنوات الشباب وانهيتها غاضبه من سعد الله ونوس ذلك الكاتب المتشائم من وجه نظري وقتها الذي لا يري الشعب العظيم علي حقيقته وبعد ان مرت عقود واشتعل الشيب في الرأس وادمت الطعنات الغادره قلبي وبعد ان ترك الزمن الجبار اثاره علي نفسيتي يأسا وحزنا علي حالنا وحياتنا ومصيرنا ومستقبلنا اعترف انني مدينه باعتذار للكاتب الكبير عن غضبي الاهوج من مسرحيته العظيمة واعترف له هامسة ان الفيل وغيره من الحيوانات المتوحشة الكاسرة قد انطلقوا في حياتنا يدمروها ومازلنا نشكو همومنا ومظالمنا للرب ونبكي في الليل سرا وندعو القدير ان يغير الاحوال فأن وقفنا في حضره الملك طلبنا منه نفاقا ورعبا ” حفظه الله لنا ياملك الزمان !!!!!!”
الفقرة الاخيرة – شخص المثقفين العرب علي اختلاف جنسياتهم واعمالهم وعطائهم منذ عقود طويله مشاكل شعوبنا ومنحوها حلولا لانهاء تلك المشاكل والتخلص من اثارها المدمرة ، لكن شعوبنا تعيش في امية مطلقة فلا تقرأ ولاتهتم بما يكتب ولاتفهم ما تقرأه فضاع جهد المثقفين هباء كالحرث في المياة لم يثمر !!!
الجمله الاخيرة – ارجوكم … كفانا سخريه من حالنا فتلك السخرية المريرة الموجعة كاشواك الصبار نغرزها في قلوبنا لن تغير من واقعنا ولن تمنحنا السعاده التي نحلم بها ونستحقها ،ياليتنا نوجه جهدا لاشياء اكثر نفعا !! رجاء اوجه للمبدعين الشعبيين بمناسبه النكته القاسيه التي سمعتها والتي اسماها الشعب نكته ” كوبري 6 اكتوبر” !!!!

نُشِرت في Uncategorized | 2 تعليقان

" سيدة اللوحة … "

“فكي اسرك واهربي ” هكذا همست للسيدة الجميلة التي زين الرسام العربي لوحته المزركشة بوجهها البريء واحاط رأسها بأطره الذهبية الملونه وحاصرها بريشته القوية معربا عن رغبته في اعتقالها رغم انفها في عالمه الخاص وفاذ بالحزن يقفز من عينيها والشجن يلون ملامح وجهها وتكاد تسمع انين بكاءها الما وهي قابعه في صدر اللوحة وقلبها مغلوبه علي امرها كأن وجهها رسم بنصل سكين حاد افصح به الرسام عن رغبته في اعتقالها حزينه في عالمه المزركش الملون الجميل لتأتي لوحته قاسية مليئة بالتناقض الفج بين شكل اللوحة والوانها القوية المبهجة وبين ملامح بطلة اللوحة والاحاسيس الكئيبة التي تنبعث من نظراتها تحاصر المشاهد للوحة بضيق عميق لايفهم علي وجه الدقه سببه !!! وقصه هذه السيدة الجميلة معي بدأت حين طرقت باب منزلي ذات يوم صديقة عزيزة تحمل بكلتا ذراعيها لوحة كبيرة ثقيلة ملفوفه بورق ابيض محايد لايعبر عن احتفال او فرحة ، فاذا ما فتحت لها بابي حتي منحتني تلك اللوحة قبل سلامها وقبلاتها واوضحت لي باسمة ” من زمان نفسي اجيبلك هدية ، اول ماشفت اللوحة افتكرتك ، مبروكة عليكي ” وقد جلست وصديقتي ساعات طويلة نتجاذب اطراف الحديث ونقتل مشاكلنا وهمومنا بحثا وقبل رحيلها بثوان وانا اودعها علي باب المنزل افصحت لي ” الرسام اللي رسم اللوحة دي مشهور جدا وشاطر جدا ، والبنت اللي في اللوحة دي بطلته الوحيدة ، حبها وسابته من يجيي عشرين سنه ، عمره ما نسيها ، مارسمش غيرها !! ” وغادرتني ولوحتها “ملفوفة ” في ورقها الابيض العليل ” مركونة ” علي الحائط ورحلت !! ورغم القصه الشيقة التي قصتها علي صديقتي تحكي تاريخ الرسام واللوحة تحرضني بها للانقضاض علي الورق الابيض وتمزيقه وتأمل اللوحة التي رسمها رجل احتله الالم بسبب هجر الحبيبة الا ان مشاغلي وخلافا للعادة اخذتني من صديقتي ولوحتها التي بقيت في مكانها اياما وايام جرفتني بعيدا عنها متاعب الحياة فظللت خلافا لعادتي لا اعرف شكلها ولا الوانها كأنني نسيتها او تناسيتها !! وذات يوم استيقظت من نومي لاافكر الا في تلك اللوحة اكاد اجزم انني سمعت ندائها في احلامي تناشدني رفع الاسمال البيضاء عن وجهها ومنحها اعتناء بخلت به عليها وهي قابعه مكانها ايام وليالي مهجورة وحيدة محرومة من مجرد نظرة اهتمام او فضول !! فجلست بجوارها علي الارض ومزقت لفافة الورق الابيض التي تغلفها ليقع بصري علي لوحة زيتيه بديعة يزينها اللون الاخضر بجميع درجاته يتداخل فيه اللون الذهبي العتيق والبرتقالي المتوهج يحددوا بريشة رسام متمكن اطار مزركش داخل اطار ملون داخل اطار مبهج داخل اطار بديع يقودوك بسلاسة وتلقائية في طريق يدفعك لقلب اللوحة ليصدمك وجه شاحب لسيدة جميلة تحسها جامدة كأن المسامير قد دقت في اطرافها تثبتها مكانها تحسها تنتظر من لم يأتي ولن يأتي ترنو ببصرها للافق البعيد الرحيب التي اعتقلها الرسام الماهر بعيدا عنه داخل اطره المزركشة الملونة كأنها يعاقبها علي الفرار من احضانه فاذ به يقبض عليها ويبقيها رغم انفها في حضن اطاراته ليكسو الحزن وجهها ويحتل الاسي نفسها فتنظر اليك كأنها تناشدك مساعدتها ومد يد العون لها !! جلست علي الارض مكاني اتأمل اللوحة وبراعة الرسام المحب الجريح الذي طبع في ذاكرته وجه الحبيبة الفارة فرسمه في جميع لوحاته كأن ينتقم من هجرها باعتقالها في عالمه الملون الموحش ، جلست مكاني اتأمل السيدة التي اظنها تعيش حياة عادية في مكان ما تحيط بها الاطفال ” الزنانة ” وطلباتها المتلاحقة وهي لاتعرف ان الرسام الحبيب قد اعتقلها وقت هجرته في ذاكرته ونفسه ولوحاته وكأنه ينتقم منها وينتقم لنفسه فلايرسمها الا حزينه بائسة متمنيا ان تمتد مشاعره لتحتلها فتقتل نفسها عقابا لنفسها علي ترك حبيبها الذي لم تقدر حبه ولم تفهم مشاعره ولم تبقي بجانبه داخل اطره المزركشة المرفهه تمنحه حبها فيمنحها في لوحاته اشراقا حرمها منه عقابا لها علي الهجر والجحود !!! تأملت اللوحة اكثر وغصت في اعماق بحور الوانها الطاغية فانتبهت لان الرسام الموهوب لم يكتف بمنح بطلته شحوبا ويأسا ولم يكتف باعتقالها في اطره الملونة كئيبة حزينه ولم يكتف بدق مسامير المه في جسدها يثبها اسيرة في لحظة غضبه بل “طبق” باطره الملونه علي رأسها كأن اطار لوحته الداخلي الاخير الذي يحاصرها في حقيقته سكينا استأصل جزء من رأسها وحل محله فلم يكتفي الرسام بحصار بطلته وتلوين وجهها بالوان حزنه الدفين بل منح المشاهد لوجهها المتألم احساسا وكأن الدنيا “اطربقت ” فوق رأسها ولم تترك لها فرصه الفكاك او الهرب !!! تأملت اللوحة اكثر وطفت ببصري علي اطرها الملونة المزركشة التي خدعني بها الرسام للوهله الاولي ومنحي احساسا مزيفا بالسعادة واحسسته يقول لي ولكل مشاهد ستقع عيناه علي تلك اللوحة ان عالمه الذي فرت منه الحبيبة عالم جميل ملون متأنق متألق وانها -وليست هو- الخاسرة بهجره وتركه وتخليها بالتخلي عنه وعن ذلك العالم المرفه الجميل!!! تأملت اللوحة اكثر فاجتاحني طوفان الحزن وامواجه العاتية المالحة واحسست اسي علي السيدة التي لا اعرفها حين فرت من احضان رجل شرقي عنيد لم يغفر لها ابدا هجرها له وعدم تقديرها لمشاعره وعدم تمسكها بحبه فاعتقلها للابد علي جميع الحوائط وامام الغرباء اسيرة لوحاته المزركشة وكادت الدموع تفر من عيني حزنا عليها فهمست لها “فكي اسرك واهربي ” وتمنيت لو تسمعني وتترك لوحته وتفر منها وتتركها خاوية الا من اطلال اطره المزركشة !!! لكنها لم تقوي علي الفرار وبقيت في قلب اللوحة بين الاطر التي تحاصرها عاجزة عن الهروب وعن رفع الدنيا من فوق رأسها قليلة الحيلة كما اراد لها الرسام الجريح !!! بقيت اللوحة مكانها علي الارض شهورا لااعلقها علي الجدران رافضه مشاركة الرسام المحب مرثيات حزنه رافضه مشاركة الرجل العنيد طقوسه انتقامه من السيدة التي لااعرفها وفي ذات الوقت احس ذنبا تجاه صديقتي التي اهدتني اللوحة وذنبا اكبر تجاه السيدة التي منحتها بتعاطفي معها ودون قصد مكانا بين الاقدام العمياء التي تروح وتجي حولها لاتشعر بها ولاتتعاطف معها فكأنني شاركت الرسام القاسي حصاره لها وانتقامه منها .. وذات ليلة داهمتني الكوابيس الموجعة واحسست بطله اللوحة تغرق وتسحبني معها في المياة الباردة نشرب معا الملح المكرر ونتوجع من ذات الالام ، احسستها تقبض علي ذراعي كأنها تستنجد بي انقاذها لاتدرك قدر خيبتي وانا اغرق معها عاجزه عن انقاذ نفسي ، سمعت انينها متداخلا مع صوت الماء يحتل رئتينا ونحن نغوص لقاع الضياع كأنها تشكو لي من القدر الذي حاصرها واعجزها عن الشكوي ، رأيت وجهها الشاحب يزداد شحوبا ولون الغرق الاسود يلون قسمات ملامحها فازدادت كآبة واستيقظت من نومي اتصبب عرقا يدوي في اذني صوت نحيبها لحظتها قررت رفع اللوحة من الارض ومنحها مكان الصداره في جدران منزلي ومنحها تعاطف الاخرين مع احزانها حين يروها فوق الجدران اسيرة اللوحة الظالمة !!! وهكذا دخلت تلك السيدة حياتي بغير ارادتي وصارت صديقتي الجبرية امر عليها عشرات المرات في اليوم الواحد احييها اهون عليها اسرها اخفف عنها المها اودعها حين اغادر واقبلها حين اعود اقص عليها همومي واحكي قصتها للاخرين غضبا من الرجل الاناني الذي لم يقبل مشاعرها وتمسك بمشاعره وعاقبها علي توقف قلبها عن حبه واسرها في عالمه التي فرت منه وعرضها امام الغرباء عاريه الا من اطره القابضه علي روحها وروحي ، دخلت تلك السيدة حياتي بحزنها وشجنها والمها صماء لاتسمع همسي لها ” فكي اسرك واهربي ” !!! وذات يوم دخلت منزلي صديقة فرقت بيننا السنوات والمصاعب والهموم ، زارتني محمله بمئات القصص التي اختزنتها طيله سنوات البعد ، جلسنا نحتسي الشاي ونتبادل الحكايات وفجأ رفعت صديقتي رأسها ونظرت للوحة وخبطت علي صدرها فزعا ” ياخبر اسود ، مين دي ، زي ماتكون الواحده بتبص في المراية ” وقتها احسست السيدة المعلقه علي الجدران تبتسم ، اكاد اجزم انني رأيت بريق في عينيها ، اكاد اقسم انني رأيت خصله شعر طائرة فوق جبينها ، اؤكد لكم انني احسست الحياة تبد فيها وانها تكاد ترفع الاطر الضاغطه من فوق رأسها فوجودها فوق الجدران البارده اثمر عن رسالته الواضحة التي استقبلتها صديقتي ” كل واحده فينا زي الست دي كده ، محبوسه في دنيا مش عاجباها ، الدنيا متكركبه فوق رأسها ، الحيطان طابقه علي نفسها ” احسست الدفء يدب في اوصال السيدة المعتقله علي الجدران الباردة حين قاومت سجانها وهربت رغم انفه رسالتها المتمرده لكل النساء ” فكي اسرك واهربي ” ابتسمت لها فبادلتني الابتسامه الحانية ، سمعت صوتها ناعما يخرج من شفتيها المنفرجتين تردد علي اسماعي ندائي لها كأنها تخاطبني وصديقتي وكل النساء “فكي اسرك واهربي ” تحذرنا من مصيرها الموجع وقدرها الرهيب !!! احسستها ورغم كل ما مرت فيه وتعرضت له ترسل بايجابية لكل النساء مثلها رسالة واضحة ” فكي اسرك واهربي ” … نظرت بعمق للهدية التي منحتها لي صديقتي العزيزة وفهمت مغزاها الحقيقي فهي لم تقصد تعذبني باعتقال سيدة اللوحة بل فتحت لي بهديتها الابواب المغلقة وتركت سيدة اللوحة تهمس لنا جميعا “فكي اسرك واهربي ” … صديقتي العزيزة اشكرك علي هديتك الغالية !!! الفقرة الاخيرة – يحب المجتمع واناسه النساء بطريقتهم الخاصه التي لاتعجبني فالنساء لسن اطفالا يحتج لمن يمسك ايديهن ويعبر بهن الطريق ،وليسن معوقات عاجزات ناقصي قدرات يحتجن لمن يكمل النقص لديهن ، ولسن قليلات الحيلة حتي يتصور الجميع انهن يحتجن لرعايتهم وحمايتهم و” طابور سيدات ” النساء مثل الرجال لديهن كل القدرات والامكانات والاحلام والاراده علي تحقيقها ، فكفاكم وصاية كريهه ليس لها أي معني حقيقي !!! الجملة الاخيرة – في مارس من كل عام نعيش احتفاليات النساء ، يوم المرأة العالمي 8 مارس ويوم المرأة المصرية 16 مارس وعيد الام 21 مارس ، وها انا هذا العام اشارك في تلك الاحتفالات بطريقتي الخاصه متمنية ان يأتي يوما جميلا تعيشه النساء بانطلاق وحرية وتحقق !!! السطر الاخير – قال لي احد الرجال ” انتي شايفة اللوحة بطريقة متعسفة ” شرحت له ” انا حاسها كدة اكمل “انا مش شايف فيها اللي انتي شايفاه ” ابتسمت ساخرة ” طبعا ” وصمتنا !!! الكلمة الاخيرة – كل سنه وكل مارس واحنا طيبين !!!
نُشِرت في Uncategorized | 2 تعليقان

" سيدة اللوحة … "

“فكي اسرك واهربي ” هكذا همست للسيدة الجميلة التي زين الرسام العربي لوحته المزركشة بوجهها البريء واحاط رأسها بأطره الذهبية الملونه وحاصرها بريشته القوية معربا عن رغبته في اعتقالها رغم انفها في عالمه الخاص وفاذ بالحزن يقفز من عينيها والشجن يلون ملامح وجهها وتكاد تسمع انين بكاءها الما وهي قابعه في صدر اللوحة وقلبها مغلوبه علي امرها كأن وجهها رسم بنصل سكين حاد افصح به الرسام عن رغبته في اعتقالها حزينه في عالمه المزركش الملون الجميل لتأتي لوحته قاسية مليئة بالتناقض الفج بين شكل اللوحة والوانها القوية المبهجة وبين ملامح بطلة اللوحة والاحاسيس الكئيبة التي تنبعث من نظراتها تحاصر المشاهد للوحة بضيق عميق لايفهم علي وجه الدقه سببه !!! وقصه هذه السيدة الجميلة معي بدأت حين طرقت باب منزلي ذات يوم صديقة عزيزة تحمل بكلتا ذراعيها لوحة كبيرة ثقيلة ملفوفه بورق ابيض محايد لايعبر عن احتفال او فرحة ، فاذا ما فتحت لها بابي حتي منحتني تلك اللوحة قبل سلامها وقبلاتها واوضحت لي باسمة ” من زمان نفسي اجيبلك هدية ، اول ماشفت اللوحة افتكرتك ، مبروكة عليكي ” وقد جلست وصديقتي ساعات طويلة نتجاذب اطراف الحديث ونقتل مشاكلنا وهمومنا بحثا وقبل رحيلها بثوان وانا اودعها علي باب المنزل افصحت لي ” الرسام اللي رسم اللوحة دي مشهور جدا وشاطر جدا ، والبنت اللي في اللوحة دي بطلته الوحيدة ، حبها وسابته من يجيي عشرين سنه ، عمره ما نسيها ، مارسمش غيرها !! ” وغادرتني ولوحتها “ملفوفة ” في ورقها الابيض العليل ” مركونة ” علي الحائط ورحلت !! ورغم القصه الشيقة التي قصتها علي صديقتي تحكي تاريخ الرسام واللوحة تحرضني بها للانقضاض علي الورق الابيض وتمزيقه وتأمل اللوحة التي رسمها رجل احتله الالم بسبب هجر الحبيبة الا ان مشاغلي وخلافا للعادة اخذتني من صديقتي ولوحتها التي بقيت في مكانها اياما وايام جرفتني بعيدا عنها متاعب الحياة فظللت خلافا لعادتي لا اعرف شكلها ولا الوانها كأنني نسيتها او تناسيتها !! وذات يوم استيقظت من نومي لاافكر الا في تلك اللوحة اكاد اجزم انني سمعت ندائها في احلامي تناشدني رفع الاسمال البيضاء عن وجهها ومنحها اعتناء بخلت به عليها وهي قابعه مكانها ايام وليالي مهجورة وحيدة محرومة من مجرد نظرة اهتمام او فضول !! فجلست بجوارها علي الارض ومزقت لفافة الورق الابيض التي تغلفها ليقع بصري علي لوحة زيتيه بديعة يزينها اللون الاخضر بجميع درجاته يتداخل فيه اللون الذهبي العتيق والبرتقالي المتوهج يحددوا بريشة رسام متمكن اطار مزركش داخل اطار ملون داخل اطار مبهج داخل اطار بديع يقودوك بسلاسة وتلقائية في طريق يدفعك لقلب اللوحة ليصدمك وجه شاحب لسيدة جميلة تحسها جامدة كأن المسامير قد دقت في اطرافها تثبتها مكانها تحسها تنتظر من لم يأتي ولن يأتي ترنو ببصرها للافق البعيد الرحيب التي اعتقلها الرسام الماهر بعيدا عنه داخل اطره المزركشة الملونة كأنها يعاقبها علي الفرار من احضانه فاذ به يقبض عليها ويبقيها رغم انفها في حضن اطاراته ليكسو الحزن وجهها ويحتل الاسي نفسها فتنظر اليك كأنها تناشدك مساعدتها ومد يد العون لها !! جلست علي الارض مكاني اتأمل اللوحة وبراعة الرسام المحب الجريح الذي طبع في ذاكرته وجه الحبيبة الفارة فرسمه في جميع لوحاته كأن ينتقم من هجرها باعتقالها في عالمه الملون الموحش ، جلست مكاني اتأمل السيدة التي اظنها تعيش حياة عادية في مكان ما تحيط بها الاطفال ” الزنانة ” وطلباتها المتلاحقة وهي لاتعرف ان الرسام الحبيب قد اعتقلها وقت هجرته في ذاكرته ونفسه ولوحاته وكأنه ينتقم منها وينتقم لنفسه فلايرسمها الا حزينه بائسة متمنيا ان تمتد مشاعره لتحتلها فتقتل نفسها عقابا لنفسها علي ترك حبيبها الذي لم تقدر حبه ولم تفهم مشاعره ولم تبقي بجانبه داخل اطره المزركشة المرفهه تمنحه حبها فيمنحها في لوحاته اشراقا حرمها منه عقابا لها علي الهجر والجحود !!! تأملت اللوحة اكثر وغصت في اعماق بحور الوانها الطاغية فانتبهت لان الرسام الموهوب لم يكتف بمنح بطلته شحوبا ويأسا ولم يكتف باعتقالها في اطره الملونة كئيبة حزينه ولم يكتف بدق مسامير المه في جسدها يثبها اسيرة في لحظة غضبه بل “طبق” باطره الملونه علي رأسها كأن اطار لوحته الداخلي الاخير الذي يحاصرها في حقيقته سكينا استأصل جزء من رأسها وحل محله فلم يكتفي الرسام بحصار بطلته وتلوين وجهها بالوان حزنه الدفين بل منح المشاهد لوجهها المتألم احساسا وكأن الدنيا “اطربقت ” فوق رأسها ولم تترك لها فرصه الفكاك او الهرب !!! تأملت اللوحة اكثر وطفت ببصري علي اطرها الملونة المزركشة التي خدعني بها الرسام للوهله الاولي ومنحي احساسا مزيفا بالسعادة واحسسته يقول لي ولكل مشاهد ستقع عيناه علي تلك اللوحة ان عالمه الذي فرت منه الحبيبة عالم جميل ملون متأنق متألق وانها -وليست هو- الخاسرة بهجره وتركه وتخليها بالتخلي عنه وعن ذلك العالم المرفه الجميل!!! تأملت اللوحة اكثر فاجتاحني طوفان الحزن وامواجه العاتية المالحة واحسست اسي علي السيدة التي لا اعرفها حين فرت من احضان رجل شرقي عنيد لم يغفر لها ابدا هجرها له وعدم تقديرها لمشاعره وعدم تمسكها بحبه فاعتقلها للابد علي جميع الحوائط وامام الغرباء اسيرة لوحاته المزركشة وكادت الدموع تفر من عيني حزنا عليها فهمست لها “فكي اسرك واهربي ” وتمنيت لو تسمعني وتترك لوحته وتفر منها وتتركها خاوية الا من اطلال اطره المزركشة !!! لكنها لم تقوي علي الفرار وبقيت في قلب اللوحة بين الاطر التي تحاصرها عاجزة عن الهروب وعن رفع الدنيا من فوق رأسها قليلة الحيلة كما اراد لها الرسام الجريح !!! بقيت اللوحة مكانها علي الارض شهورا لااعلقها علي الجدران رافضه مشاركة الرسام المحب مرثيات حزنه رافضه مشاركة الرجل العنيد طقوسه انتقامه من السيدة التي لااعرفها وفي ذات الوقت احس ذنبا تجاه صديقتي التي اهدتني اللوحة وذنبا اكبر تجاه السيدة التي منحتها بتعاطفي معها ودون قصد مكانا بين الاقدام العمياء التي تروح وتجي حولها لاتشعر بها ولاتتعاطف معها فكأنني شاركت الرسام القاسي حصاره لها وانتقامه منها .. وذات ليلة داهمتني الكوابيس الموجعة واحسست بطله اللوحة تغرق وتسحبني معها في المياة الباردة نشرب معا الملح المكرر ونتوجع من ذات الالام ، احسستها تقبض علي ذراعي كأنها تستنجد بي انقاذها لاتدرك قدر خيبتي وانا اغرق معها عاجزه عن انقاذ نفسي ، سمعت انينها متداخلا مع صوت الماء يحتل رئتينا ونحن نغوص لقاع الضياع كأنها تشكو لي من القدر الذي حاصرها واعجزها عن الشكوي ، رأيت وجهها الشاحب يزداد شحوبا ولون الغرق الاسود يلون قسمات ملامحها فازدادت كآبة واستيقظت من نومي اتصبب عرقا يدوي في اذني صوت نحيبها لحظتها قررت رفع اللوحة من الارض ومنحها مكان الصداره في جدران منزلي ومنحها تعاطف الاخرين مع احزانها حين يروها فوق الجدران اسيرة اللوحة الظالمة !!! وهكذا دخلت تلك السيدة حياتي بغير ارادتي وصارت صديقتي الجبرية امر عليها عشرات المرات في اليوم الواحد احييها اهون عليها اسرها اخفف عنها المها اودعها حين اغادر واقبلها حين اعود اقص عليها همومي واحكي قصتها للاخرين غضبا من الرجل الاناني الذي لم يقبل مشاعرها وتمسك بمشاعره وعاقبها علي توقف قلبها عن حبه واسرها في عالمه التي فرت منه وعرضها امام الغرباء عاريه الا من اطره القابضه علي روحها وروحي ، دخلت تلك السيدة حياتي بحزنها وشجنها والمها صماء لاتسمع همسي لها ” فكي اسرك واهربي ” !!! وذات يوم دخلت منزلي صديقة فرقت بيننا السنوات والمصاعب والهموم ، زارتني محمله بمئات القصص التي اختزنتها طيله سنوات البعد ، جلسنا نحتسي الشاي ونتبادل الحكايات وفجأ رفعت صديقتي رأسها ونظرت للوحة وخبطت علي صدرها فزعا ” ياخبر اسود ، مين دي ، زي ماتكون الواحده بتبص في المراية ” وقتها احسست السيدة المعلقه علي الجدران تبتسم ، اكاد اجزم انني رأيت بريق في عينيها ، اكاد اقسم انني رأيت خصله شعر طائرة فوق جبينها ، اؤكد لكم انني احسست الحياة تبد فيها وانها تكاد ترفع الاطر الضاغطه من فوق رأسها فوجودها فوق الجدران البارده اثمر عن رسالته الواضحة التي استقبلتها صديقتي ” كل واحده فينا زي الست دي كده ، محبوسه في دنيا مش عاجباها ، الدنيا متكركبه فوق رأسها ، الحيطان طابقه علي نفسها ” احسست الدفء يدب في اوصال السيدة المعتقله علي الجدران الباردة حين قاومت سجانها وهربت رغم انفه رسالتها المتمرده لكل النساء ” فكي اسرك واهربي ” ابتسمت لها فبادلتني الابتسامه الحانية ، سمعت صوتها ناعما يخرج من شفتيها المنفرجتين تردد علي اسماعي ندائي لها كأنها تخاطبني وصديقتي وكل النساء “فكي اسرك واهربي ” تحذرنا من مصيرها الموجع وقدرها الرهيب !!! احسستها ورغم كل ما مرت فيه وتعرضت له ترسل بايجابية لكل النساء مثلها رسالة واضحة ” فكي اسرك واهربي ” … نظرت بعمق للهدية التي منحتها لي صديقتي العزيزة وفهمت مغزاها الحقيقي فهي لم تقصد تعذبني باعتقال سيدة اللوحة بل فتحت لي بهديتها الابواب المغلقة وتركت سيدة اللوحة تهمس لنا جميعا “فكي اسرك واهربي ” … صديقتي العزيزة اشكرك علي هديتك الغالية !!! الفقرة الاخيرة – يحب المجتمع واناسه النساء بطريقتهم الخاصه التي لاتعجبني فالنساء لسن اطفالا يحتج لمن يمسك ايديهن ويعبر بهن الطريق ،وليسن معوقات عاجزات ناقصي قدرات يحتجن لمن يكمل النقص لديهن ، ولسن قليلات الحيلة حتي يتصور الجميع انهن يحتجن لرعايتهم وحمايتهم و” طابور سيدات ” النساء مثل الرجال لديهن كل القدرات والامكانات والاحلام والاراده علي تحقيقها ، فكفاكم وصاية كريهه ليس لها أي معني حقيقي !!! الجملة الاخيرة – في مارس من كل عام نعيش احتفاليات النساء ، يوم المرأة العالمي 8 مارس ويوم المرأة المصرية 16 مارس وعيد الام 21 مارس ، وها انا هذا العام اشارك في تلك الاحتفالات بطريقتي الخاصه متمنية ان يأتي يوما جميلا تعيشه النساء بانطلاق وحرية وتحقق !!! السطر الاخير – قال لي احد الرجال ” انتي شايفة اللوحة بطريقة متعسفة ” شرحت له ” انا حاسها كدة اكمل “انا مش شايف فيها اللي انتي شايفاه ” ابتسمت ساخرة ” طبعا ” وصمتنا !!! الكلمة الاخيرة – كل سنه وكل مارس واحنا طيبين !!!
نُشِرت في Uncategorized | 2 تعليقان

" يالها من ليلة …. !!! "

عشت الاسبوع الفائت وانا اعاني من ارتفاع في درجات الحرارة مصحوبا بالم موجع في عظام الجسد وكل “فتفوته” فيه وقد تعاملت مع الامر بالبساطة التي نتعامل بها نحن المصريين مع ” شوية برد ” فاخذت ودون استشاره الاطباء اتعاطي مخفضات الحرارة الواحد تلو الاخر فاذا بحرارتي تركب المصعد المجنون وتصعد تاره وبسرعة البرق لتصل ” لل 39 ” فيرتعش جسدي من الحمي ويغيب عقلي عن يقظته المعتاده ثم تنزل تارة وبسرعه الصوت ” لل 36″ فتسيل من جسدي انهار العرق البارد ويتملكني اعياءا موجع واحس وكأنني قد ضربت ” علقة ” سخنة جدا !!! وهكذا عشت انا وفيروس الانفلونزا مع بضعنا اسبوعا طويلا قاومته فيه بعصير البرتقال و” الشوربة باللمون ” وحاربني بالحرارة والصداع والاعياء المفقد للوعي رغم اليقظة وفي نهايه الاسبوع كرهني فيروس الانفلونزا وغادرني – والحمد لله – بحثا عن ضحية جديدة وتركني في فراشي احاول تجميع شتات نفسي واسترداد عافيتي وشخذ عقلي للرجوع لوعيه وانتباهه المعتاد … ” طب وايه يعني ” هكذا سألت نفسي ” كان عندي شوية برد وخلصوا ، هو ده موضوع ينفع اكتب عنه مقاله ؟؟!!” والحقيقة ان هذه المقالة ليست عن ” البرد ” الذي مر فوق جسدي مثل البلدوزر فطرحني ارضا واقعدني الفراش ثم غادرني برحمة ربنا وتركني ارمم جسدي المرهق الضعيف بالفيتامينات والعصائر والاكل ” المغذي ” بل هذه المقالة عن “التهوميات” العقلية التي شعرت بها في احد ليالي المرض واشدها قسوة حيث تأثر عقلي بسبب ذلك الفيروس الضعيف بالحرارة الصاعده والهابطة وففقد اتزانه ورجاحته ومنحني صورا غريبة واحاسيس غير مألوفة وغير معتاده فبدا وكأنني قد تعاطيت مخدرات ممنوعة وعملت ” دماغ ” لذا حين مرت ايام ذلك الاسبوع بسلام وثبتت حرارتي علي درجتها النموذجية حاولت بوعي مقصود وبجهد محبب استعادة اشكال الهلوسة العقلية التي شعرت بها خلال تلك الايام اشارككم فيها وفي احساسي بها … والحق ان مرضي وحرارة بدني قد تصاعدت في اسبوع المرض كسيفونيات الموسيقي الكلاسيكية دقات ضعيفة ثم اصوات اعلي واعلي ثم ضجيج يلف المكان ثم صوت وتريات مرتعش لتعلو الاصوات العميقة لالات النفخ ثم همسات ثم صراخ ثم صمت مفاجيء وتصفيق حاد !!! وقد امتزجت نغمات الموسيقي الغريبة في اذني مع فيضان الالوان الطاغي يحتل عيني ورأسي وبقايا عقلي المنتبه ، حين اغمض عيني اري الاحمر المتوهج يحتويني كأنني ” فحمة مشتعله ” مندسة وسط لهيب مستعر لاينطفيء في ال” منقد ” امام جدتي الجالسه علي كنبتها المريحة في ليلة بارده من ليالي القمر في بلدتنا ، كنت احسني ” فحمة ” تتقلب علي جمر النار باصابع جدتي الحانية وهي تزيح الرماد من فوق “القوالح ” المشتعله لاشاعه الدفء في المكان البارد ويأتيني صوت ناي حزين بعيد يعزف عليه رجل متقطع الانفاس كأنه يلهث فتأتي النغمات متعثره لاتشعر بسعاده ولا تخفف الهم ، كنت افتح عيني بصعوبة وسط نوبات السخونة التي تقبض علي رأٍسي ابحث عن جدتي وليالي القمر وحميمية بيت العائلة وصوت الناي وصوت حفيف الشجر المهتز مكانه بسبب الهواء البارد الذي يمر فوق ” المنقد ” فيزيد فحمه ومعه جسدي اشتعالا وتوهجا لكني لااجد الا فراشي الساخن يهتز مكانه بسبب انتفاضات جسدي المحموم ، اغلق عيني ثانية فتزداد الرقعة الحمراء اتساعا وتتحول لقرص اصفر برتقالي متوهج كأنه شمس اغسطس واري نفسي وانا جالسة علي الرمال الصفراء الناعمة في ” مرسي مطروح ” بجوار عمتي التي لاتتركني في لهوي اعبث في الرمال اطيريها في وجهي ووجها وتناديني بحب كل حين وتمنحني ” سندوتش ” بعد ان تنبه عليا ” اغسلي ايديك من الرمل ” وتأمرني ” تعالي تحت الشمسية ، الا الشمس حامية حتشوي جلدي !!” ويبقي صدي صوت عمتي في اذني بنبرته الامرة الحانية يلاحقني كأنها تخاطبني الان فاناديها واستيقظ علي صوتي وسط الليل وحيدة في فراشي تكاد رأسي تنفجر من دقات الطبول التي تحيط ” بمخي ” وترجه ارتجاجات عنيفه ، احس جلدي ساخنا كأن شمس اغسطس وضربات اشعتها الموجعة قد حرقته و” اجس ” جبهتي فاحسها “مولعة” وابحث عن عمتي زارتني في منتصف الليل بذكرياتها الجميلة تؤنسني في فراش مرضي فلا اجدها فاغمضي عيني ثانيه وانفض عن رأسي ضجيج الطبول المزعجة وانا ارتجف من السخونة والوحدة فاذ بامي تقتحم غرفتي وتدخل علي بالوان الطيف الجميل تنير الحجرة وتنشر في اجواها حب جارف تحمل في يدها باقة زهور ملونة اصفر في برتقالي في احمر في ” بمبة ” وتجلس بجواري علي طرف الفراش ومعها رجل متأنق يعزف علي ” الكمان ” نغمات حانية تنشر الحنان في الغرفه ، تجلس امي بجواري مبتسمة تحكم علي جسدي المحموم الاغطية وتهمس في اذني بالادعية وكلمات الحب وتفتح حضنها تحتضني تطمئني تهدهدني وتكاد تغني لي بصوتها الناعم مثلما كانت تفعل دائما و”قطتي صغيرة اسمها نميرة ” فاضحك فتضحك ” قطتي صغيرة اسمها اميرة ” فاضحك اكثر فتضحك اكثر ويبدد ضحكها الالوان الساخنة التي تحتل غرفتي وجسدي بحرارتها المشتعله وتنتشر نغماتها الحانية ترياقا شافيا واحس ورودها الملونه التي قطفتها من اشجار الجنة واغصانها الخضراء غابات شاسعه من الاشجار العملاقة الظليلة الرطبه تكسو اوراقها المفلطحة قطرات الندي الباردة واحسني في حضن امي مرتاحه وسعيدة واري اللون الاخضر ينتشر حولي تلتف فروعه الندية حول جسدي تلطف من حرارته فاستيقظ في فراشي والنهار يكاد يخرج علينا بضوءه الضبابي البارد واحس جسدي اقل حرارة ووجهي اقل احتقانا ، اشعل المصباح القابع جواري وامد يدي لل ” ترمومتر ” اقيس حرارتي فاجدها تهبط وتكاد تقترب من الحرارة الطبيعية اغلق المصباح واغلق عينيي بقوة تتردد في اذني صوت الكمان مجدولا بحنان امي ، اناديها ، ابحث عن حضنها اناشدها البقاء في غرفتي وهي التي خففت الامي بضحكاتها وبددت السخونة الموجعة بعبير زهورها فتمد ذراعها تحت رأسي تحتضني وهي تكاد تنفخ في وجهي من انفاسها العطرة كأنها تطفيء نار الحمي احس عطشا فتسقيني بكفيها ماءا بارد عذب جميل اناشدها ” تاني ” تضع كفيها المليئتين بمياة نهر الكوثر تحت شفتي وتسقيني وتسقيني ثم تمسح وجهي بكفيها الحانيتين الباردتين كأنها تسحب الحرارة من جسدي باصابعها ابتسم لها فتغرف من ينبوعها البارد وتسكب ماءه الشافي علي جسدي فاحسي كأنني في مغطس مرمري البدن مليء بالشفاء السائل ترياقا باردا تقلبني امي فيه تغطس رأسي تدلك قدمي المرتعشتين احس المياة غمرتني واري اللون الازرق مختلطا باللوان الاخضر لوحات كبيرة اري البحر الازرق الذي غسلت وجهي ويدي وقدمي بمياهه البارده تكسو شاطئه شجرات الموز باوراقها الكبيرة واري نفسي انام في ظلها تتساقط علي قطرات الندي تبرد جسدي واري السماء العالية صافية تظلل بعمامتها الزرقاء اشجار النخيل العالية وتحتضن هامتها وتظلل عليها واراني شجرة مورفة وسط النخيل الكثيف يتدلي شعري الطويل المنسدل علي كتفي في مياة الترعة وتنزلق جذوري في بطن حوافها الطينية احسني مليء بالرضا اشرب من المياة العذبة تظلل رأسي السحب البيضاء الجميلة واري امي تجلس بجوارالشجرة تكاد تحتضنها وتحرسها وترسم علي بدنها اسمي واسمها وقلب كبير رساله حب احس تيار هواء يحرك جذعي واحس شعري المبلول يسقط قطراته فوق كتفي واري امي تمد يديها تمسك شعري تجدله ضفيرة طويله وتعلقها فوق رأسي وتربطها بشرائط ملونه ناعمة حريرية تذكرني بيوم العيد وقت كنت طفله صغيرة تقبض علي بين ساقيها وتجدل شعري الطويل ضفائر محكمة وتعلق في نهايتها شرائطها الجميلة ولاتستجيب لرغبتي في الفرار منها ولاتتركني الا وضفائري ملقاة علي ظهري حريرية ناعمة تزينها الشرائط الجميلة كعلب الهدايا وتمنحني ابتسامتها الجميلة و”معلش وجعتك ، لكن بقيتي قمر” واري ابتسامتها تضيء الحجرة وتفتح شبابيكها لضوء النهار استيقظ من نومي فاذ بفراشي يعوم في عرقي البارد واذ بمخدتي غرقي بعرق رأٍسي واري شعري مجدول فوق رأسي مثلما جدلته امي واشم رائحه انفاسها في الحجرة كأنها زارتني وجلست طوال الليل بجواري ورحلت ومعها الحرارة والفيروس والمرض وتركتني في فراشي استيقظ من نومي فاري ابنتي الكبيرة تحتضني بذراعيها واشم انفاسها كانفاس امي واشعر بحنانها كحنان امي واري ابنتي الصغيرة تنام بجسدها الصغير فوق قدمي كأنها تحتضنها يبتسما في وجهي ” حمد الله علي السلامه ياماما ” وتضحك ابنتي الصغيرة ” ده انتي خرفتي تخريف !!!” فتزجرها ابنتي الكبيرة وهي تناولني كوب العصير ” احنا كنا فين وبقينا فين ،حمد الله علي سلامتك ياماما ” اغلق عيني تحاصرني ابتساماتهما البريئة الجميلة وحنانهما ورعايتهما واعود لنومي يلاحقني صوت ” الكمان ” وانين ” الناي ” اشعر باطمئنان فقد نمت تلك الليلة في حضن ابنتي تحيطني امي برعايتها وجدتي بحنانها ….. فيالها من ليلة !!!! الفقرة الاخيرة – كنت صغيرة اقبع في حضن امي ثم كبرت واخذتها في حضني ، وكانت بناتي صغارا أخذتهن في حضني ثم كبرن واخذوني في حضنهن …. حياة مستمرة نتبادل فيها الادوار والاماكن … ولكل دور ولكل مكان جماله الخاص ومذاقه الجميل !!! الجملة الاخيرة – تعوضنا الاحلام احيانا بجمالها عن الواقع القبيح الذي نعيشه … واكم من حلم تمنيت الا استيقظ منه !!


نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

" يالها من ليلة …. !!! "

عشت الاسبوع الفائت وانا اعاني من ارتفاع في درجات الحرارة مصحوبا بالم موجع في عظام الجسد وكل “فتفوته” فيه وقد تعاملت مع الامر بالبساطة التي نتعامل بها نحن المصريين مع ” شوية برد ” فاخذت ودون استشاره الاطباء اتعاطي مخفضات الحرارة الواحد تلو الاخر فاذا بحرارتي تركب المصعد المجنون وتصعد تاره وبسرعة البرق لتصل ” لل 39 ” فيرتعش جسدي من الحمي ويغيب عقلي عن يقظته المعتاده ثم تنزل تارة وبسرعه الصوت ” لل 36″ فتسيل من جسدي انهار العرق البارد ويتملكني اعياءا موجع واحس وكأنني قد ضربت ” علقة ” سخنة جدا !!! وهكذا عشت انا وفيروس الانفلونزا مع بضعنا اسبوعا طويلا قاومته فيه بعصير البرتقال و” الشوربة باللمون ” وحاربني بالحرارة والصداع والاعياء المفقد للوعي رغم اليقظة وفي نهايه الاسبوع كرهني فيروس الانفلونزا وغادرني – والحمد لله – بحثا عن ضحية جديدة وتركني في فراشي احاول تجميع شتات نفسي واسترداد عافيتي وشخذ عقلي للرجوع لوعيه وانتباهه المعتاد … ” طب وايه يعني ” هكذا سألت نفسي ” كان عندي شوية برد وخلصوا ، هو ده موضوع ينفع اكتب عنه مقاله ؟؟!!” والحقيقة ان هذه المقالة ليست عن ” البرد ” الذي مر فوق جسدي مثل البلدوزر فطرحني ارضا واقعدني الفراش ثم غادرني برحمة ربنا وتركني ارمم جسدي المرهق الضعيف بالفيتامينات والعصائر والاكل ” المغذي ” بل هذه المقالة عن “التهوميات” العقلية التي شعرت بها في احد ليالي المرض واشدها قسوة حيث تأثر عقلي بسبب ذلك الفيروس الضعيف بالحرارة الصاعده والهابطة وففقد اتزانه ورجاحته ومنحني صورا غريبة واحاسيس غير مألوفة وغير معتاده فبدا وكأنني قد تعاطيت مخدرات ممنوعة وعملت ” دماغ ” لذا حين مرت ايام ذلك الاسبوع بسلام وثبتت حرارتي علي درجتها النموذجية حاولت بوعي مقصود وبجهد محبب استعادة اشكال الهلوسة العقلية التي شعرت بها خلال تلك الايام اشارككم فيها وفي احساسي بها … والحق ان مرضي وحرارة بدني قد تصاعدت في اسبوع المرض كسيفونيات الموسيقي الكلاسيكية دقات ضعيفة ثم اصوات اعلي واعلي ثم ضجيج يلف المكان ثم صوت وتريات مرتعش لتعلو الاصوات العميقة لالات النفخ ثم همسات ثم صراخ ثم صمت مفاجيء وتصفيق حاد !!! وقد امتزجت نغمات الموسيقي الغريبة في اذني مع فيضان الالوان الطاغي يحتل عيني ورأسي وبقايا عقلي المنتبه ، حين اغمض عيني اري الاحمر المتوهج يحتويني كأنني ” فحمة مشتعله ” مندسة وسط لهيب مستعر لاينطفيء في ال” منقد ” امام جدتي الجالسه علي كنبتها المريحة في ليلة بارده من ليالي القمر في بلدتنا ، كنت احسني ” فحمة ” تتقلب علي جمر النار باصابع جدتي الحانية وهي تزيح الرماد من فوق “القوالح ” المشتعله لاشاعه الدفء في المكان البارد ويأتيني صوت ناي حزين بعيد يعزف عليه رجل متقطع الانفاس كأنه يلهث فتأتي النغمات متعثره لاتشعر بسعاده ولا تخفف الهم ، كنت افتح عيني بصعوبة وسط نوبات السخونة التي تقبض علي رأٍسي ابحث عن جدتي وليالي القمر وحميمية بيت العائلة وصوت الناي وصوت حفيف الشجر المهتز مكانه بسبب الهواء البارد الذي يمر فوق ” المنقد ” فيزيد فحمه ومعه جسدي اشتعالا وتوهجا لكني لااجد الا فراشي الساخن يهتز مكانه بسبب انتفاضات جسدي المحموم ، اغلق عيني ثانية فتزداد الرقعة الحمراء اتساعا وتتحول لقرص اصفر برتقالي متوهج كأنه شمس اغسطس واري نفسي وانا جالسة علي الرمال الصفراء الناعمة في ” مرسي مطروح ” بجوار عمتي التي لاتتركني في لهوي اعبث في الرمال اطيريها في وجهي ووجها وتناديني بحب كل حين وتمنحني ” سندوتش ” بعد ان تنبه عليا ” اغسلي ايديك من الرمل ” وتأمرني ” تعالي تحت الشمسية ، الا الشمس حامية حتشوي جلدي !!” ويبقي صدي صوت عمتي في اذني بنبرته الامرة الحانية يلاحقني كأنها تخاطبني الان فاناديها واستيقظ علي صوتي وسط الليل وحيدة في فراشي تكاد رأسي تنفجر من دقات الطبول التي تحيط ” بمخي ” وترجه ارتجاجات عنيفه ، احس جلدي ساخنا كأن شمس اغسطس وضربات اشعتها الموجعة قد حرقته و” اجس ” جبهتي فاحسها “مولعة” وابحث عن عمتي زارتني في منتصف الليل بذكرياتها الجميلة تؤنسني في فراش مرضي فلا اجدها فاغمضي عيني ثانيه وانفض عن رأسي ضجيج الطبول المزعجة وانا ارتجف من السخونة والوحدة فاذ بامي تقتحم غرفتي وتدخل علي بالوان الطيف الجميل تنير الحجرة وتنشر في اجواها حب جارف تحمل في يدها باقة زهور ملونة اصفر في برتقالي في احمر في ” بمبة ” وتجلس بجواري علي طرف الفراش ومعها رجل متأنق يعزف علي ” الكمان ” نغمات حانية تنشر الحنان في الغرفه ، تجلس امي بجواري مبتسمة تحكم علي جسدي المحموم الاغطية وتهمس في اذني بالادعية وكلمات الحب وتفتح حضنها تحتضني تطمئني تهدهدني وتكاد تغني لي بصوتها الناعم مثلما كانت تفعل دائما و”قطتي صغيرة اسمها نميرة ” فاضحك فتضحك ” قطتي صغيرة اسمها اميرة ” فاضحك اكثر فتضحك اكثر ويبدد ضحكها الالوان الساخنة التي تحتل غرفتي وجسدي بحرارتها المشتعله وتنتشر نغماتها الحانية ترياقا شافيا واحس ورودها الملونه التي قطفتها من اشجار الجنة واغصانها الخضراء غابات شاسعه من الاشجار العملاقة الظليلة الرطبه تكسو اوراقها المفلطحة قطرات الندي الباردة واحسني في حضن امي مرتاحه وسعيدة واري اللون الاخضر ينتشر حولي تلتف فروعه الندية حول جسدي تلطف من حرارته فاستيقظ في فراشي والنهار يكاد يخرج علينا بضوءه الضبابي البارد واحس جسدي اقل حرارة ووجهي اقل احتقانا ، اشعل المصباح القابع جواري وامد يدي لل ” ترمومتر ” اقيس حرارتي فاجدها تهبط وتكاد تقترب من الحرارة الطبيعية اغلق المصباح واغلق عينيي بقوة تتردد في اذني صوت الكمان مجدولا بحنان امي ، اناديها ، ابحث عن حضنها اناشدها البقاء في غرفتي وهي التي خففت الامي بضحكاتها وبددت السخونة الموجعة بعبير زهورها فتمد ذراعها تحت رأسي تحتضني وهي تكاد تنفخ في وجهي من انفاسها العطرة كأنها تطفيء نار الحمي احس عطشا فتسقيني بكفيها ماءا بارد عذب جميل اناشدها ” تاني ” تضع كفيها المليئتين بمياة نهر الكوثر تحت شفتي وتسقيني وتسقيني ثم تمسح وجهي بكفيها الحانيتين الباردتين كأنها تسحب الحرارة من جسدي باصابعها ابتسم لها فتغرف من ينبوعها البارد وتسكب ماءه الشافي علي جسدي فاحسي كأنني في مغطس مرمري البدن مليء بالشفاء السائل ترياقا باردا تقلبني امي فيه تغطس رأسي تدلك قدمي المرتعشتين احس المياة غمرتني واري اللون الازرق مختلطا باللوان الاخضر لوحات كبيرة اري البحر الازرق الذي غسلت وجهي ويدي وقدمي بمياهه البارده تكسو شاطئه شجرات الموز باوراقها الكبيرة واري نفسي انام في ظلها تتساقط علي قطرات الندي تبرد جسدي واري السماء العالية صافية تظلل بعمامتها الزرقاء اشجار النخيل العالية وتحتضن هامتها وتظلل عليها واراني شجرة مورفة وسط النخيل الكثيف يتدلي شعري الطويل المنسدل علي كتفي في مياة الترعة وتنزلق جذوري في بطن حوافها الطينية احسني مليء بالرضا اشرب من المياة العذبة تظلل رأسي السحب البيضاء الجميلة واري امي تجلس بجوارالشجرة تكاد تحتضنها وتحرسها وترسم علي بدنها اسمي واسمها وقلب كبير رساله حب احس تيار هواء يحرك جذعي واحس شعري المبلول يسقط قطراته فوق كتفي واري امي تمد يديها تمسك شعري تجدله ضفيرة طويله وتعلقها فوق رأسي وتربطها بشرائط ملونه ناعمة حريرية تذكرني بيوم العيد وقت كنت طفله صغيرة تقبض علي بين ساقيها وتجدل شعري الطويل ضفائر محكمة وتعلق في نهايتها شرائطها الجميلة ولاتستجيب لرغبتي في الفرار منها ولاتتركني الا وضفائري ملقاة علي ظهري حريرية ناعمة تزينها الشرائط الجميلة كعلب الهدايا وتمنحني ابتسامتها الجميلة و”معلش وجعتك ، لكن بقيتي قمر” واري ابتسامتها تضيء الحجرة وتفتح شبابيكها لضوء النهار استيقظ من نومي فاذ بفراشي يعوم في عرقي البارد واذ بمخدتي غرقي بعرق رأٍسي واري شعري مجدول فوق رأسي مثلما جدلته امي واشم رائحه انفاسها في الحجرة كأنها زارتني وجلست طوال الليل بجواري ورحلت ومعها الحرارة والفيروس والمرض وتركتني في فراشي استيقظ من نومي فاري ابنتي الكبيرة تحتضني بذراعيها واشم انفاسها كانفاس امي واشعر بحنانها كحنان امي واري ابنتي الصغيرة تنام بجسدها الصغير فوق قدمي كأنها تحتضنها يبتسما في وجهي ” حمد الله علي السلامه ياماما ” وتضحك ابنتي الصغيرة ” ده انتي خرفتي تخريف !!!” فتزجرها ابنتي الكبيرة وهي تناولني كوب العصير ” احنا كنا فين وبقينا فين ،حمد الله علي سلامتك ياماما ” اغلق عيني تحاصرني ابتساماتهما البريئة الجميلة وحنانهما ورعايتهما واعود لنومي يلاحقني صوت ” الكمان ” وانين ” الناي ” اشعر باطمئنان فقد نمت تلك الليلة في حضن ابنتي تحيطني امي برعايتها وجدتي بحنانها ….. فيالها من ليلة !!!! الفقرة الاخيرة – كنت صغيرة اقبع في حضن امي ثم كبرت واخذتها في حضني ، وكانت بناتي صغارا أخذتهن في حضني ثم كبرن واخذوني في حضنهن …. حياة مستمرة نتبادل فيها الادوار والاماكن … ولكل دور ولكل مكان جماله الخاص ومذاقه الجميل !!! الجملة الاخيرة – تعوضنا الاحلام احيانا بجمالها عن الواقع القبيح الذي نعيشه … واكم من حلم تمنيت الا استيقظ منه !!


نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

" بيت العز … يا … بيتنا "

” مادايم الا وجه الله ” جمله سمعتها كثيرا وانا صغيرة اسير لهوا خلف الجنازات في الشارع الرئيسي لقريتنا لم افهم ابدا معناها فصغر السن والطفوله البريئة والامان التلقائي الذي تشعر به في حضن امك يجعلك تظن وهما ان الحياة الجميلة التي تعيشها ستستمر علي حالها والي الابد ، لكن صراخ النسوة متشحات بالسواد وبكاء الرجال الفياض خلف نعش جدتي لابي تلك السيدة التي كانت تعتبرها القرية وكل ابناءها رأس الحكمة وينبوع العطاء مجدلوين بصرخات اللوعة التي خرجت من قلب الشيخ العجوز امام الجامع وهو يسير خلف نعشها يودعها “مادايم الا وجه الله ” ترتسم علي قسمات وجهه الهرم الم الفقد ووجع الافتقاد شرحت لي وبغير تفسير معني ” مادايم الا وجه الله ” فادركت رغم سنوات عمري القليلة وقتها معني الرحيل البشري الموجع وان حياة البشر مهما استطالت مؤقته بسنواتها التي لابد وان تنتهي !!! وحين تركت الطفوله وبراءتها وولجت في خضم الحياة وامواجها العاتية ادركت بخبرة المراقبة ان لحظات الفقد الكثيرة قادمه في حياتنا محطات بكاء !!! وحين مشيت في الطرق الوعرة اكثر ولاطمتني الحياة بقوتها العاتية ادركت وبعد خبرات موجعه قاسية ان ايام عمرنا مثل ساحات التزحلق الجليدية وان حياتنا تمر عليها بزلاجات الركوب تنطلق في مسارات عشوائية عبثية لااختيار فيها ولا قرار عمدي لكنها فقط الرغبه في المحافظة علي التوازن والبقاء وان علي كل منا اذا ماانحرفت زلاجته وكأنها ستلقيه من فوق وجه الحياه عليه ان يوازن نفسه ويستجلب من نفسه كل قوتها لضبط حركته والاستمرار في صراع الحياة حتي لحظاتها الاخيرة … وهاهي السنوات قد تراكمت خلف ظهري شاهدت فيها كل ماكنت اظن وانا صغيرة انني لن اشاهده فبكيت خالتي وهي شابه في ريعان الشباب اختطفها الموت المفاجيء بصداع معتاد ، وبكيت عمتي التي احتضنتي وتبنتني انا وامي واعتبرتنا بناتها الصغيرة والكبيرة ودللتنا وشغلت لنا الكنزات الصوفية ومنحتها حبها في ” برطمانات الزيتون المخلل ” فاذ بها وبعد عطائها الفياض المستمر سنوات وسنوات حتي ظنناه ابدي تبخل علينا بنفسها وتتركنا وترحل في عجاله تاركه خلفها حبها وذكرياتنا و ” مادايم الا وجه الله” وبموت خالتي اغلق منزلها الذي عشت فيه سنوات فرحتي وطفولتي ولهوي البريء فعلمتني بموتها درس رحيل الاماكن بذكرياتها المحببة درسا موجعا اليما ، وبموت عمتي اغلق منزلها البسيط الجميل الذي تعلمنا فيه التذوق الفني من لوحات فان جوخ وبيكاسو تزين جدرانه وتعلمنا فيه الحب السخي والعطاء المفرط وتعلمنا ” الطبيخ ” فاذ بموتها يأتيني بالصدمة الثانية التي افهمتني وكنت في الجامعه وقتها ان حب الاشخاص يمتد لحب اماكنهم التي عاشت فرحهم وحزنهم وشاهدت عطائهم وشهدت علي وجودهم الجميل في الحياة وان الفقد ليس فقد الموت فقط بل الفقد الذي سيبكينا ويبكينا هو فقد الرحيل والمغادره رحيل البشر ومغادره الاماكن وان ” دوام الحال من المحال ” وان حياة البشر مثل القشة الطافية في المحيط الهادر لاتتوقف حركتها ولاتسكن الا في لحظات الوداع الاخيرة حين تصل لمحطة الراحة الابدية ، وحين اتفقت العائلة علي هدم بيت جدي الريفي وبيع انقاضه وارضه واقتسام حصيلته البخسه اوراقا لاقيمه لها بكيت بالدمع الحار وفهمت انني احب الاماكن قدر حبي لبشرها وانه اذا كان رحيل البشر موجع فأن الرحيل عن الاماكن التي تضم بين جنباتها ذكريات وانفاس ذلك البشر اكثر ايلاما … وعشت حياتي كلها اتمني السكون في مكان واحد اعتبره البيت الذي امنحه حبي فيمنحني امانه ، وارتب مفروشاته فيشع بهجة واصور بناتي بجوار جدارنه فيصرن جدات ويعدن اليه مع احفادهن باعتبار بيت العائلة التي عاشت في ذلك البيت ولم تغيره ولم ترحل عنه !!! لكن لانه ” مادايم الا وجه الله ” فقد تنقلت في حياتي الطويلة بين بيوت كثيرة عشت في كل منها كأنني في محطة القطار انتظر ساعه الرحيل الحتمي فمنحت كل منها جزء من حبي وحجبت عنها معظم مشاعري لانني كنت اتصور واعرف انه مكان مؤقت لن تطول اقامتي فيه اما لصغره او لبعده او لضيقه اولاي سبب اخر وعشت سنوات وسنوات ادخر حبي الكامل للبيت الذي حلمت به واحلم باستيلاءه الكامل علي كل مشاعري المختزنه واعيش فيه انا وبناتي واحفادي واحفادهن بيت للعائلة !!!
وقد خدعتني الايام وهما ومنحتني البيت الذي كنت اتصوره دائما ابديا فمنحته كل الاهتمام والتأنق والرعاية ، وافقت يوما علي حقيقة لالبس فيها ان ذلك البيت الذي انتظرته طويلا ليس بيتي وانه يتعين علي
وان طال الزمن الخروج منه فوضعت نفسي بارادتي بين خيارين اما الاستمرار المؤقت كالاقامة في ترانزيت المطار او الخروج والرحيل الفوري … وقد فكرت طويلا وحسمت امري …. وها انا اكتب لكم اليوم وانا استعد للرحيل وتغيير منزلي والاقامة في منزل جديد ومكان جديد لم اعتاد بعد رائحته ولم احب بعد شوارعه ولم انصت بعد لصوت عصافيره ولم اتعرف بعد علي نغمات حفيف اوراق اشجاره ، اكتب لكم اليوم وانا استعد للرحيل بعد ان لملمت اوراقي وكتبي وملابسي ومقتنياتي العزيزة وهدايا امي رحمها الله واللوحات الجميله التي اهداني بها اصدقائي عبر سنوات العمر وكل ذكرياتي الجميلة ومشاعري المتناقضة لملمتها جميعها في صناديق ورقية كئيبة اللون كلحظات الرحيل وكدستها فوق بعضها البعض كسنوات العمرعلي الاكتاف المرهقة عبئا ثقيلا واستعديت للرحيل وتغير الاماكن والاشخاص والالوان ورائحه الاستيقاظ النهاري وصوت السكون المعتاد ولون الليل الذي سيحتويني في حضنه في اخر اليوم تعبا ، اكتب لكم بعد ان جهزت نفسي ونفسيتي للتغيير الشامل علي صعوبه هذا الاستعداد ، فالمكان الذي تعيش فيه يعيش فيك والمكان الذي تعتبره مكانك يصبح جزء منك وتتوحدا معا فيصبح البعد عنه اغترابا وعقابا والما تجنيه بغير ذنب ارتكبته ويصبح الرجوع اليه عتق من عذاب الهيام في الاماكن الموحشة لذا اذا حين تقرر الرحيل عن الحضن الذي اعتدت علي دفئه وانتظمت خطوات حياتك مع دقات نبضه احتجت لآستعداد نفسي قوي يمكنك من الانسلاخ من الحميمية التي سكنت فيها ويجمد الدموع في مقلتيك فلا تسقط ولاتظهر ، احتجت لاستعداد نفسي قوي يستجلب من داخلك كل الصلابة وكل التماسك وكل القوة التي تعيش سنوات وسنوات تخزنها في داخلك رصيدا للايام الصعبة التي قد تتعرض لها بضربات القدر العشوائية التي لاتفهم – مهما احترق رأسك من كثرة التفكير – سببها او مبررها … وها انا – ومن اسابيع واسابيع سابقة – قد جهزت نفسي ونفسيتي للتغيير الشامل تغيير الاماكن والبشر، تغيير رائحة النهار ، تغيير ملمس الفراش الذي تطاردك الهواجس فوق بدنه تطرد النوم المريح والاحلام من رأسك ، تغيير لون الجدران التي تفتح مقتليك المرهقتين عليه لحظة الغسق الاولي ، تغيير ملمس الارض تحت قدميك الحافيتين وقت نزولك من فوق الفراش ، تغيير الاصوات التي اعتدت علي سماعها حين تفتح باب المنزل وتخطو خطوتك الاولي علي السلم في طريقك للخروج … وقد احتاج مني الاستعداد للرحيل رؤية القبح في المكان الذي كنت اظن نفسي احبه واستعاده كل لحظاته الموجعة الكريهة واستدعاء كل احزاني واخفاقاتي وتوتري وغضبي فيه وتحت اسقفه وبين جدرانه ، احتاج مني الاستعداد للرحيل استجلاب مشاعر الكراهية تجاه كل تفاصيل المنزل الذي تمنيته سنوات طويلة وحين صنعته وعشت فيه اكتشفت ذات يوم انه ليس بيتي ولن يكون فبيتي هو الذي لايستطيع كائن من كان ان يخرجني منه اما تلك الجدران والاسقف التي كنت اتصورها رحما دافئا فهي ليست الا ” حضانه ” صناعية لاتمنح حبا او حنانا او امانا لذا قررت الخروج منها بكامل ارادتي وكامل وعيي ، احتاج مني الاستعداد للرحيل استجلاب مشاعر الرفض والنفور من ذلك المكان فسرت في طرقاته اتعجب كيف عشت فيه سنوات وسنوات وهو بهذا القبح المعماري كيف عشت فيه سنوات وسنوات وهو مظلم تقبض وحشته علي صدري كيف عشت فيه سنوات وسنوات ولون حوائطه بارد لاينبعث الدفء منها كيف عشت فيه سنوات وسنوات لااحب مفروشاته ولا الوانها فالاحمر كمثل الوجه المحتقن المكظوم والاخضر كاشجار الصحراء لاحيويه فيه والاصفر كلون وجوه الموتي مخيف بارد ، كيف عشت فيه سنوات وسنوات والشقوق تحتل كل اسقفه وجدرانه تهددك بالانهيار فوق رأسك تحس وراءها جيوش الحشرات ستخرج يوما من جحورها تلتهمك حيا ، كيف عشت فيه سنوات وسنوات رغم رائحة مدخله البغيضة خليط كريه من روائح الفضلات وطبيخ الجيران وثاني اوكسيد الكربون …. وكيف وكيف وكيف !!!!
وكنت اظن اسئلتي صعبه بلا اجابات لانني انا وانت وكلنا
نعيش في منازلنا باعتبارها ارحام امهاتنا الدافئة لانتمني ابدا الخروج منها ، نعيش في منازلها باعتبارها مبعث السكينه في نفوسنا وملاذنا الامن نهرع اليها اذا ماقسي العالم الخارجي علينا ، نعيش في منازلنا محتمين بجدرانها واسقفها من شرور الاخرين الذين مهما تطاولوا علينا او طاردونا او ازعجونا لن يستطيعوا الدخول الينا في مكاننا الخاص الحميم وسيقفوا خلف بابه بعيدين عنك مهما اقتربوا … لذا حين تقرر – بكامل ارادتك – ان تترك منزلك الذي كنت تظن انك تحبه وترحل عنه ، حين تقرر بكامل ارادتك ان البيت الذي كان بيتك لم يعد بيتك وان السكينه التي كنت تشعر بها قد تبددت والامان الذي كان يحتويك قد غادر جنباتك وان رحم زوجه الاب القاسية التي كنت تظنها وهما اما حانية قد لفظك الي المجهول لحظتها يتعين عليك ان تعد نفسك ونفسيتك للحظات الرحيل ، وقتها عثرت علي اجابات اسئلتي بكل سهولة ويسر واحسست بحياد مفهوم تجاه المكان الغريب الذي عشت فيه سنوات لااحبها واحسست بشوق جارف للمكان الدافء الذي اخترته منزلي ومنزل بناتي ، احسست بشوق جارف للمكان الجميل الذي رأيت بناتي وسط زهراته اجملهن ، احسست بشوق جارف للمكان الجديد الذي سأنتقل انا وبناتي لحضن جدرانه الملونه بالوان البهجة والفرحة والامان المطلق ، احسست بشوق جارف لبيتنا الجديد والاخير الذي لن يستطيع احدا – مهما كانت قوته او اسبابه او مبرراته – ان يخرجنا من بين جدرانه !!! احسست بشوق جارف لحضن امي ورحمها واحسستني اعود اليهما بعد طول شتات!!!
الفقرة الاخيرة – ليس كل الالم كريه ، فالم المخاض الجميل يخرج للدنيا اطفالا ننتظرهم بشوق وحب ، لذا مرحبا بالالم الذي يدفعنا في طرق الحياة اكثر تفاءلا واكثر قوة …
الجملة الاخيرة – استخدم الانجليز كلمة ” home ” تعبيرا عن المسكن وعن الوطن ، وهو استخداما حميما جميل فالمسكن هو الوطن الصغير الذي يحتويك بحبه مثل الوطن الكبير بالضبط .. كنت اتمني ان نجد في اللغة العربية تلك الحميمية !!!
السطر الاخير – ” بيت العز يابيتنا ، علي بابك عينبتنا ” اغنية من الزمن الجديد تتردد في اذني كلما امسكت الطريق الدائري وصولا لمنزلنا “انا وبناتي” الجديد …
نُشِرت في Uncategorized | تعليق واحد